ابن باجة

108

تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي

حروفه في زمان النطق بها ، ويفرض لفظ مؤلّف من حروف غير حروف اللفظ المقدّر تنتظم بزمان النطق بها ، ويقدّر بها ذلك اللفظ المفروض اللفظ المقدّر . وتقدير اللفظ على هذا النحو غير تقديره إذا قلنا إنّ فيه كذا وكذا حرفا . فإنّا نعدّ الحروف فيما ركّبناه أجزاء حدّها العدد المذكور فيها ، وفي التقدير الآخر إنّما نعدّه بمنطق من أخذه بقدر تعرفه أنت تقدّر به ، مثل لو نظّمنا حبا في طول ما ، فإنّ لذلك الحبّ تقديره ، فنأخذه بأن نعرض طولا يقدّر به من حيث هو في طول ، مثل أن ننزله صلحا ونخصّ به هذا المنطق الذي يقدّره ، فنقول فيه كذا وكذا شيئا ، إذا المقدّر به من حيث نأخذه في طول ، كما نأخذ حروف اللفظ في الزمان . فإن قدّرت ذلك الزمان من الجهة التي تؤكّد فيه حبّاته قلت إنّ في هذا الملح كذا وكذا ، كما نقول إنّ في هذا القول كذا وكذا حرفا . 10 . قال أبو نصر : « والأجسام تتفاضل أمكنتها وتتساوى بتساويها بحسب الرأيين جميعا » « 1 » . أحد الرأيين رأي من يجعل المكان هو السطح المطيف المنطبق على الشيء الذي فيه المنطبق عليه الانطباق السطحيّ وتساويهما ، والرأي الآخر هو الفضاء والبعد الذي يحيط به المقعّر « 2 » . قد يعترض على أبي نصر في قوله إنّ الأجسام تتفاضل بتفاضل أمكنتها وتتساوى بتساويها بأن نفرض مكيالين يكون السطح المحيط بأحدهما أعظم السطوح المحيطة بالمكيال الآخر أصغر ، لكن يكون المكيال الذي تحيط به السطوح أعظم لحمل أقلّ من المكيال الذي تحيط به سطوح الأصغر . مثال ذلك سطح طول قاعه اثنان وعرضه اثنان وارتفاع كلّ واحد من جهاته الأربع مائة ، فيكون تكسير سطوحه الداخلة الذي هو المكان تكسير سطح قاعه أربعة ، وتكسير السطوح الأربعة « 3 » التي عن جوانبه كأنحائه ، فيكون جميع تكسير سطوحه ثمانمائة وأربعة ، ويحمل جسما تكسيره أربعمائة مكعّب من ذراع في ذراع في ذراع . والمكيال الآخر الذي سطوحه أصغر ويحمل جسما أعظم مكيال

--> ( 1 ) المقولات ، ص 99 . ( 2 ) الرأي الأوّل هو رأي أرسطوطاليس والثاني رأي ديمقريطس الذي قال بالخلاء . وقد نسب الفارابي الرأي الأوّل إلى أرسطو في المقولات ، ص 97 . ( 3 ) في الأصل : الأربع .